مجمع البحوث الاسلامية

839

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

« بعثت بالحنيفيّة السّهلة السّمحة » . والثّاني : أنّ النّسخ إنّما يحتاج إليه لو دلّت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بيّنّا أنّ الآية لا تدلّ على ذلك . والثّالث : أنّ نسخ الخبر لا يجوز ، إنّما الجائز هو نسخ الأوامر والنّواهي . واعلم أنّ للنّاس اختلافا في أنّ الخبر هل ينسخ أم لا ؟ وقد ذكرنا في أصول الفقه ، واللّه أعلم . ( 7 : 134 ) نحوه الخازن ( 1 : 260 ) ، والنّيسابوريّ ( 3 : 101 ) . النّسفيّ : يكافئكم ويجازيكم ، ولا تدخل الوساوس وحديث النّفس فيما يخفيه الإنسان ، لأنّ ذلك ممّا ليس في وسعه الخلوّ منه ، ولكن ما اعتقده وعزم عليه . والحاصل أنّ عزم الكفر كفر ، وخطرة الذّنوب من غير عزم معفوّة ، وعزم الذّنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور . فأمّا إذا همّ بسيّئة وهو ثابت على ذلك إلّا أنّه منع عنه بمانع ليس باختياره ، فإنّه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله ، أي بالعزم على الزّنى لا يعاقب عقوبة الزّنى . وهل يعاقب عقوبة عزم الزّنى ؟ قيل : لا ، لقوله عليه السّلام : « إنّ اللّه عفا عن أمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلّم به » . والجمهور على أنّ الحديث في الخطرة دون العزم ، وأنّ المؤاخذة في العزم ثابتة . وإليه مال الشّيخ أبو منصور وشمس الأئمّة الحلوانيّ ، والدّليل عليه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ . النّور : 19 . ( 1 : 142 ) أبو حيّان : ظاهر ( ما ) العموم ، والمعنى أنّ الحالتين من الإخفاء والإبداء بالنّسبة إليه سواء ، وإنّما يتّصف بكونه إبداء وإخفاء بالنّسبة إلى المخلوقين لا إليه تعالى ، لأنّ علمه ليس ناشئا عن وجود الأشياء بل هو سابق بعلم الأشياء ، قبل الإيجاد وبعد الإيجاد وبعد الإعلام ، بخلاف علم المخلوق فإنّه لا يعلم الشّيء إلّا بعد إيجاده ، فعلمه محدث وقد خصّص هذا العموم . [ إلى أن قال : ] وممّا يدلّ على أنّ اللّه تعالى يؤاخذ بما تجنّ القلوب قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ البقرة : 235 . وبعد فإنّ المحبّة والإرادة والعلم والجهل أفعال القلب ، وهي من أعظم أفعال العباد . [ ثمّ نقل الأقوال وقال : ] والأصحّ أنّها محكمة ، وأنّه تعالى يحاسبهم على ما عملوا وما لم يعملوا ، ممّا ثبت في نفوسهم ونووه وأرادوه ، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنّفاق . [ إلى أن قال : ] وقيل : عبّر عن العلم بالمحاسبة ؛ إذ من جملة تفاسير الحسيب : العالم ، فالمعنى أنّه يعلم ما في السّرائر والضّمائر . وقيل : الجزاء مشروط بالمشيئة أو بعدم المحاسبة ، ويكون التّقدير : يحاسبكم إن شاء أو يحاسبكم إن لم يسمح . ( 2 : 360 ) الآلوسيّ : أي يجازيكم به يوم القيامة . وأمّا تصوّر المعاصي والأخلاق الذّميمة ، فهو لعدم إيجابه اتّصاف النّفس به لا يعاقب عليه ما لم يوجد في الأعيان ، وإلى هذا الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه تجاوز عن أمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلّم » أي إنّ اللّه تعالى لا يعاقب